Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:1-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ التَّسْبِيحَ أوَّلُ الأمْرِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، والتَّحْمِيدُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ، ونِهايَةَ الأمْرِ كَوْنُهُ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ في الذِّكْرِ بِقَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَقامَ التَّسْبِيحِ مَبْدَأٌ ومَقامَ التَّحْمِيدِ نِهايَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ عِنْدَ الإسْراءِ لَفْظَ التَّسْبِيحِ وعِنْدَ إنْزالِ الكِتابِ لَفْظَ التَّحْمِيدِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ كَمالِهِ وإنْزالَ الكِتابِ غايَةُ دَرَجاتِ كَمالِهِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الإسْراءَ بِهِ إلى المِعْراجِ يَقْتَضِي حُصُولَ الكَمالِ لَهُ، وإنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي
صفحة ٦٣
كَوْنَهُ مُكَمِّلًا لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وناقِلًا لَها مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أعْلى مَقاماتِ العِبادِ مَقامًا أنْ يَصِيرَ (العَبْدُ) عالِمًا في ذاتِهِ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ ولِهَذا رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في السَّماواتِ» “ .