Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:85
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ كانَ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ هَذا الجَسَدِ لَكانَ إمّا أنْ يَقُومَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ عَلى حِدَةٍ، وإمّا أنْ يَقُومَ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ حَياةٌ وعِلْمٌ وقُدْرَةٌ، والقَسَمانِ باطِلانِ فَبَطَلَ القَوْلُ بِكَوْنِ الإنْسانِ عِبارَةً عَنْ هَذا الجَسَدِ، وأمّا بُطْلانُ القِسْمِ الأوَّلِ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الجَسَدِ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإنْسانُ الواحِدُ حَيَوانًا واحِدًا بَلْ أحْياءً عالِمِينَ قادِرِينَ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ الإنْسانِ الواحِدِ وبَيْنَ أشْخاصٍ كَثِيرِينَ مِنَ النّاسِ ورَبْطِ بَعْضِهِمْ بِالبَعْضِ بِالتَّسَلْسُلِ لَكِنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ فَسادَ هَذا الكَلامِ لِأنِّي أجِدُ ذاتِي ذاتًا واحِدَةً لا حَيَواناتٍ كَثِيرِينَ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ هَذا الجَسَدِ حَيَوانًا واحِدًا عَلى حِدَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما خَبَرٌ عَنْ حالِ صاحِبِهِ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ هَذا أنْ يَتَحَرَّكَ إلى هَذا الجانِبِ ويُرِيدَ الجُزْءُ الأخَرُ أنْ يَتَحَرَّكَ إلى الجانِبِ الآخَرِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّدافُعُ بَيْنَ أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ كَما يَقَعُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، وأمّا بُطْلانُ القِسْمِ الثّانِي فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي قِيامَ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالمَحالِّ الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ مَعْلُومُ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ ولِأنَّهُ لَوْ جازَ حُلُولُ الصِّفَةِ الواحِدَةِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا حُصُولُ الجِسْمِ الواحِدِ في الأحْيازِ الكَثِيرَةِ ولِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ الصِّفَةُ الواحِدَةُ في المَحالِّ المُتَعَدِّدَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ حَيًّا عاقِلًا