Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:85
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صَيْرُورَةَ شَيْءٍ آخَرَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في سائِرِ المَراتِبِ وأيْضًا فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرّائِيَ لِلْمَرْئِيّاتِ لَمّا كانَ رَآها فَقَدْ عَرَفَها ولَمّا عَرَفَها فَقَدِ اشْتَهاها ولَمّا اشْتَهاها طَلَبَها وحَرَّكَ الأعْضاءَ إلى القُرْبِ مِنها، ونَعْلَمُ أيْضًا بِالضَّرُورَةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ وبِهَذا العِلْمِ وبِهَذِهِ الشَّهْوَةِ وبِهَذا التَّحَرُّكِ هو لا غَيْرُهُ، وأيْضًا العُقَلاءُ قالُوا: الحَيَوانُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَسّاسًا مُتَحَرِّكًا بِالإرادَةِ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُحِسَّ بِشَيْءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا أوْ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا، وإذا لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِلْجَذْبِ أوِ الدَّفْعِ فَثَبَتَ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَكُونُ مُتَحَرِّكًا بِالإرادَةِ فَإنَّهُ بِعَيْنِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَسّاسًا، فَثَبَتَ أنَّ المُدْرِكَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ يُدْرِكُ بِجَمِيعِ أصْنافِ الإدْراكاتِ، وأنَّ المُباشِرَ لِجَمِيعِ التَّحْرِيكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ شَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا فَلِأنّا إذا تَكَلَّمْنا بِكَلامٍ نَقْصِدُ مِنهُ تَفْهِيمَ الغَيْرِ (عَقَلْنا) مَعانِي تِلْكَ الكَلَمّاتِ ثُمَّ لَمّا عَقَلْناها أرَدْنا تَعْرِيفَ غَيْرِنا تِلْكَ المَعانِيَ ولَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ الإرادَةُ في قُلُوبِنا حاوَلْنا إدْخالَ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ في الوُجُودِ لِنَتَوَسَّلَ بِها إلى تَعْرِيفِ غَيْرِنا تِلْكَ المَعانِيَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَ مَحْمَلُ العِلْمِ والإرادَةِ ومَحَلُّ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ جِسْمًا واحِدًا لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّ مَحَلَّ العُلُومِ والإراداتِ هو الحَنْجَرَةُ واللَّهاةُ واللِّسانُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: مَحَلُّ العُلُومِ والإراداتِ هو القَلْبُ لَزِمَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَحَلُّ الصَّوْتِ هو القَلْبَ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، وإنْ قُلْنا مَحَلُّ الكَلامِ هو الحَنْجَرَةُ واللَّهاةُ واللِّسانُ، ومَحَلُّ العُلُومِ والإراداتِ هو القَلْبُ، ومَحَلُّ القُدْرَةِ هو الأعْصابُ والأوْتارُ والعَضَلاتُ، كُنّا قَدْ وُزَّعْنا هَذِهِ الأُمُورَ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ لَكِنّا أبْطَلْنا ذَلِكَ، وبَيَّنّا أنَّ المُدْرِكَ لِجَمِيعِ المُدْرَكاتِ والمُحَرِّكَ لِجَمِيعِ الأعْضاءِ بِكُلِّ أنْواعِ التَّحْرِيكاتِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا واحِدًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ في الإدْراكِ والقُدْرَةِ عَلى التَّحْرِيكِ [ أنَّهُ ] شَيْءٌ سِوى هَذا البَدَنِ وسِوى أجْزاءِ هَذا البَدَنِ وأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ جارِيَةٌ مَجْرى الآلاتِ والأدَواتِ فَكَما أنَّ الإنْسانَ يَعْقِلُ أفْعالًا مُخْتَلِفَةً بِواسِطَةِ آلاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ تُبْصِرُ بِالعَيْنِ وتَسْمَعُ بِالأُذُنِ وتَتَفَكَّرُ بِالدِّماغِ وتَعْقِلُ بِالقَلْبِ، فَهَذِهِ الأعْضاءُ آلاتُ النَّفْسِ وأدَواتٌ لَها، والنَّفْسُ جَوْهَرٌ مُغايِرٌ لَها مُفارِقٌ عَنْها بِالذّاتِ مُتَعَلِّقٌ بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ وهَذا البُرْهانُ بُرْهانٌ شَرِيفٌ يَقِينِيٌّ في ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.