Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:85
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أجْسامٌ هَوائِيَّةٌ مَخْلُوطَةٌ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ مُتَوَلِّدَةٌ إمّا في القَلْبِ أوْ في الدِّماغِ، وقالُوا إنَّها هي الرُّوحُ وإنَّها هي الإنْسانُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَقُولُ: الإنْسانُ هو الرُّوحُ الَّذِي في القَلْبِ، ومِنهم مَن يَقُولُ إنَّهُ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في الدِّماغِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ أجْزاءٍ نارِيَّةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِهَذِهِ الأرْواحِ القَلْبِيَّةِ والدِّماغِيَّةِ وتِلْكَ الأجْزاءُ النّارِيَّةُ وهي المُسَمّاةُ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي الإنْسانُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: الرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ نُورانِيَّةٍ سَماوِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، والجَوْهَرُ عَلى طَبِيعَةِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وهي لا تَقْبَلُ التَّحَلُّلَ والتَّبَدُّلَ ولا التَّفَرُّقَ ولا التَّمَزُّقَ فَإذا تَكَوَّنَ البَدَنُ وتَمَّ اسْتِعْدادُهُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] نَفَذَتْ تِلْكَ الأجْسامُ الشَّرِيفَةُ السَّماوِيَّةُ الإلَهِيَّةُ في داخِلِ أعْضاءِ البَدَنِ نَفاذَ النّارِ في الفَحْمِ ونَفاذَ دُهْنِ السِّمْسِمِ في السِّمْسِمِ، ونَفاذَ ماءِ الوَرْدِ في جِسْمِ الوَرْدِ، ونَفاذُ تِلْكَ الأجْسامِ السَّماوِيَّةِ في جَوْهَرِ البَدَنِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ (الحِجْرِ: ٢٩) ثُمَّ إنَّ البَدَنَ ما دامَ يَبْقى سَلِيمًا قابِلًا لِنَفاذِ تِلْكَ الأجْسامِ الشَّرِيفَةِ بَقِيَ حَيًّا، فَإذا تَوَلَّدَتْ في البَدَنِ أخْلاطٌ غَلِيظَةٌ مَنَعَتْ تِلْكَ الأخْلاطُ الغَلِيظَةُ مِن سَرَيانِ تِلْكَ الأجْسامِ الشَّرِيفَةِ فِيها فانْفَصَلَتْ عَنْ هَذا البَدَنِ فَحِينَئِذٍ يَعْرِضُ المَوْتُ، فَهَذا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ شَرِيفٌ يَجِبُ التَّأمُّلُ فِيهِ فَإنَّهُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن أحْوالِ الحَياةِ والمَوْتِ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ القائِلِينَ بِأنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ مَوْجُودٌ في داخِلِ البَدَنِ، وأمّا أنَّ الإنْسانَ جِسْمٌ مَوْجُودٌ خارِجَ البَدَنِ فَلا أعْرِفُ أحَدًا ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ.