Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:82-84
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
شِفاءً ورَحْمَةً فَقالَ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ ولَفْظَةُ مَن هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) والمَعْنى: ونُنَزِّلُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو قُرْآنٌ ما هو شِفاءٌ، فَجَمِيعُ القُرْآنِ شِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ، أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْراضَ الرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ والأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، أمّا الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ فَأشَدُّها فَسادًا الِاعْتِقاداتُ الفاسِدَةُ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ، والقُرْآنُ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ المَذْهَبِ الحَقِّ في هَذِهِ المَطالِبِ، وإبْطالِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ فِيها، ولَمّا كانَ أقْوى الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ هو الخَطَأ في هَذِهِ المَطالِبِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلائِلِ الكاشِفَةِ عَمّا في هَذِهِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ الرُّوحانِيِّ، وأمّا الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ فَكانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِأنَّ التَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ، ولَمّا اعْتَرَفَ الجُمْهُورُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الطَّلْسَماتِ بِأنَّ لِقِراءَةِ الرُّقى المَجْهُولَةِ والعَزائِمِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وتَحْقِيرِ المَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّفْعِ في الدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى» “ وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ قِسْمانِ بَعْضُهُما يُفِيدُ الخَلاصَ عَنْ شُبَهاتِ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ المُبْطِلِينَ وهو الشِّفاءُ، وبَعْضُهُما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِ العُلُومِ العالِيَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي بِها يَصِلُ الإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وهو الرَّحْمَةُ، ولَمّا كانَ إزالَةُ المَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى السَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ الصِّحَّةِ لا جَرَمَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ