Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:78-81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٥
الدُّنْيا والحِرْصُ والحَسَدُ والتَّفاخُرُ والتَّكاثُرُ وهَذِهِ الدُّنْيا مِثْلُ دارِ المَرْضى إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ المَرْضى، والأنْبِياءُ كالأطِبّاءِ الحاذِقِينَ، والمَرِيضُ رُبَّما قَدْ قَوِيَ مَرَضُهُ فَلا يَعُودُ إلى الصِّحَّةِ إلّا بِمُعالَجاتٍ قَوِيَّةٍ ورُبَّما كانَ المَرِيضُ جاهِلًا فَلا يَنْقادُ لِلطَّبِيبِ ويُخالِفُهُ في أكْثَرِ الأمْرِ، إلّا أنَّ الطَّبِيبَ إذا كانَ مُشْفِقًا حاذِقًا فَإنَّهُ يَسْعى في إزالَةِ ذَلِكَ المَرَضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ فَإنَّهُ يَسْعى في تَقْلِيلِهِ وتَخْفِيفِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَرَضُ حُبِّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الخَلْقِ ولا عِلاجَ لَهُ إلّا بِالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وهَذا عِلاجٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ، وقَلَّ مَن يَقْبَلُهُ ويَنْقادُ لَهُ، لا جَرَمَ [ أنَّ ] الأنْبِياءَ اجْتَهَدُوا في تَقْلِيلِ هَذا المَرَضِ وحَمْلِ الخَلْقِ عَلى الشُّرُوعِ في الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ مِن أوَّلِ وقْتِ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ مِمّا يَنْفَعُ في إزالَةِ هَذا المَرَضِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والإشارَةِ أرْدَفَهُ بِالحَثِّ عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ وفِيهِ مَباحِثُ: