Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:73-75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ لا عِصْمَةَ عَنِ المَعاصِي إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ قالُوا إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَوْلا تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لَهُ لَمالَ إلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ ولا شَكَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ أقْوى مِن غَيْرِهِ في قُوَّةِ الدِّينِ وصَفاءِ اليَقِينِ فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ بَقاءَهُ مَعْصُومًا عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى وإغاثَتِهِ كانَ حُصُولُ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِهِ أوْلى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِهَذا التَّثْبِيتِ الألْطافُ الصّارِفَةُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وهي ما خَطَرَ بِبالِهِ مِن ذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ومِن ذِكْرِ أنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ اللَّهُ يَمْنَعُ الرَّسُولَ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ في حَقِّ الرَّسُولِ لَما كانَ إلى إيجادِ هَذا المانِعِ حاجَةٌ، وحَيْثُ وقَعَتِ الحاجَةُ إلى تَحْصِيلِ هَذا المانِعِ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضى قَدْ حَصَلَ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ هَذا المانِعَ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ المُقْتَضى مِنَ العَمَلِ وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا إنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فَإذا حَصَلَتْ داعِيَةٌ أُخْرى مُعارِضَةٌ لِلدّاعِيَةِ الأُولى اخْتَلَّ المُؤَثِّرُ فامْتَنَعَ الفِعْلُ ونَحْنُ لا نُرِيدُ إلّا إثْباتَ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.