cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:71-72

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والقَوْلُ الخامِسُ: أقُولُ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ أنْواعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والفاسِدَةِ كَثِيرَةٌ والمُسْتَوْلِي عَلى كُلِّ إنْسانٍ نَوْعٌ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَمِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الغَضَبَ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةَ النُّقُودِ أوْ شَهْوَةَ الضِّياعِ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الحِقْدَ والحَسَدَ وفي جانِبِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ العِفَّةَ أوِ الشَّجاعَةَ أوِ الكَرَمَ أوْ طَلَبَ العِلْمِ والزُّهْدَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدّاعِي إلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ الباطِنَةِ فَذَلِكَ الخُلُقُ الباطِنُ كالإمامِ لَهُ والمَلِكِ المُطاعِ والرَّئِيسِ المَتْبُوعِ فَيَوْمَ القِيامَةِ إنَّما يَظْهَرُ الثَّوابُ والعِقابُ بِناءً عَلى الأفْعالِ النّاشِئَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما قالَ أُولَئِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، والفَتِيلُ القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ وسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِخْراجَهُ انْفَتَلَ وهَذا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ ومِثْلُهُ القِطْمِيرُ والنَّقِيرُ في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ والمَعْنى لا يَنْقُصُونَ مِنَ الثَّوابِ بِمِقْدارِ فَتِيلٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ (طه: ١١٢) ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الفَتِيلُ هو الوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الإنْسانِ إبْهامَهُ بِسَبّابَتِهِ وهو فَعِيلٌ مِنَ الفَتْلِ بِمَعْنى مَفْتُولٌ فَإنْ قِيلَ لِمَ خَصَّ أصْحابَ اليَمِينِ بِقِراءَةِ كِتابِهِمْ مَعَ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ يَقْرَءُونَهُ أيْضًا، قُلْنا الفَرْقُ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ إذا طالَعُوا كِتابَهم وجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلى المُهْلِكاتِ العَظِيمَةِ والقَبائِحِ الكامِلَةِ والمَخازِي الشَّدِيدَةِ، فَيَسْتَوْلِي الخَوْفُ والدَّهْشَةُ عَلى قُلُوبِهِمْ ويَثْقُلُ لِسانُهم فَيَعْجِزُوا عَنِ القِراءَةِ، وأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فَأمْرُهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم يَقْرَءُونَ كِتابَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأثْبَتِها، ثُمَّ لا يَكْتَفُونَ بِقِراءَتِهِمْ وحْدَهم بَلْ يَقُولُ القارِئُ لِأهْلِ الحَشْرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ (الحّاقَّةِ: ١٩) فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.