Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعاشِرُها: أشْرَفُ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَوْجُودٍ كانَ قُرْبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ، لَكِنَّ أقْرَبَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ مِنَ اللَّهِ هو الإنْسانُ بِسَبَبِ أنَّ قَلْبَهُ مُسْتَنِيرٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولِسانَهُ مُشَرَّفٌ بِذِكْرِ اللَّهِ وجَوارِحَهُ وأعْضاؤَهُ مُكَرَّمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ أشْرَفَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الإنْسانُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْإنْسانِ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ والصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ فَهي إنَّما حَصَلَتْ بِإحْسانِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ومِن تَمامِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ أكْرَمُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ (العَلَقِ: ١) ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّكْرِيمِ عِنْدَ تَرْبِيَتِهِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ في آخِرِ أحْوالِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نِهايَةَ لِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى ولِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ مَعَ الإنْسانِ واللَّهُ أعْلَمُ.