Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:49-52
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: المُرادُ أنَّ كَوْنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ قابِلًا لِلْحَياةِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهم: فافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ مِنَ الحَجَرِ والحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكم كَوْنَهُ قابِلًا لِلْحَياةِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأنَّ المُرادَ أنَّ أبْدانَ النّاسِ وإنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِها إلى أيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وأيِّ حالَةٍ قُدِّرَتْ وإنْ كانَتْ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى إعادَةِ الحَياةِ إلَيْها، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِنهُ المَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صارَتْ أبْدانُكم نَفْسَ المَوْتِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ الحَياةَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الحَياةِ فاللَّهُ يُمِيتُكُ ولَوْ كَنْتَ عَيْنَ الغِنى فَإنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذا قَدْ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ أبْدانَ النّاسِ أجْسامٌ والمَوْتَ عَرَضٌ والجِسْمَ لا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فالمَوْتُ لا يَقْبَلُ الحَياةَ لِأنَّ أحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصافُهُ بِالضِّدِّ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ.