Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:45-48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
سُورَةِ الأنْعامِ وذَكَرْنا اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِها وذَكَرْنا سُؤالاتِ المُعْتَزِلَةِ ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها قالَ الأصْحابُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما سَتَرَ الشَّيْءَ مِثْلَ كِنانِ النَّبْلِ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وجَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا. ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ سامِعِينَ فاهِمِينَ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَنعُهم عَنِ الإيمانِ ومَنعُهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ بِحَيْثُ لا يَقِفُونَ عَلى أسْرارِهِ ولا يَفْهَمُونَ دَقائِقَهُ وحَقائِقَهُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ بَلِ المُرادُ مِنهُ وُجُوهٌ أُخْرى:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: كانُوا يَطْلُبُونَ مَوْضِعَهُ في اللَّيالِي لِيَنْتَهُوا إلَيْهِ ويُؤْذُونَهُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى مَبِيتِهِ بِاسْتِماعِ قِراءَتِهِ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّهِمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَشْغَلُهم عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ وفي آذانِهِمْ ما يَمْنَعُ مِن سَماعِ صَوْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَضًا شاغِلًا يَمْنَعُهم مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ والتَّفَرُّغِ لَهُ، لا أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ كَنٌّ لِلْقَلْبِ ووَقْرٌ في الأُذُنِ.