Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:41-44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنّا لَوْ جَوَّزْنا في الجَمادِ أنْ يَكُونَ عالِمًا مُتَكَلِّمًا لَعَجَزْنا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وحِينَئِذٍ يَفْسَدُ عَلَيْنا بابُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ حَيًّا وذَلِكَ كُفْرٌ فَإنَّهُ يُقالُ: إذا جازَ في الجَماداتِ أنْ تَكُونَ عالِمَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وتُسَبِّحُهُ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ بِأحْياءٍ فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا كَوْنُهُ حَيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا قادِرًا كَوْنُهُ حَيًّا وذَلِكَ جَهْلٌ وكُفْرٌ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن لَيْسَ بِحَيٍّ لَمْ يَكُنْ عالِمًا قادِرًا مُتَكَلِّمًا، هَذا هو القَوْلُ الَّذِي أطْبَقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الجَماداتِ وأنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ كُلَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنْ قالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى كَوْنِها مُسَبِّحَةً لِلَّهِ تَعالى ولا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا التَّسْبِيحِ بِكَوْنِها دَلائِلَ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الأشْياءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. ودَلالَتُها عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مَعْلُومٌ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَلَّ عَلى أنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وأنَّ تَسْبِيحَها غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُغايِرًا لِكَوْنِها دالَّةً عَلى وُجُودِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ.