Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:39-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى؛ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ وسَمّاها حِكْمَةً، وإنَّما سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وأنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها. فالآتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لا يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الشَّيْطانِ بَلِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِأنَّهُ يَكُونُ داعِيًا إلى دِينِ الرَّحْمَنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا ما نَذْكُرُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] .
وثانِيها: أنَّ الأحْكامَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ شَرائِعُ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ ولا تَقْبَلُ النَّسْخَ والإبْطالَ، فَكانَتْ مُحْكَمَةً وحِكْمَةً مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
وثالِثُها: أنَّ الحِكْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِبارَةٌ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ وسائِرُ التَّكالِيفِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْلِيمِ الخَيْراتِ حَتّى يُواظِبَ الإنْسانُ عَلَيْها ولا يَنْحَرِفَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ عَيْنُ الحِكْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: