Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:36
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُلُومَ إمّا مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ، أوْ مِنَ العُقُولِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ شَيْئًا ورَآهُ فَإنَّهُ يَرْوِيهِ ويُخْبِرُ عَنْهُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو العُلُومُ المُسْتَفادَةُ مِنَ العَقْلِ وهي قِسْمانِ: البَدِيهِيَّةُ والكَسْبِيَّةُ، وإلى العُلُومِ العَقْلِيَّةِ الإشارَةُ بِذِكْرِ الفُؤادِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الجَوارِحَ مَسْئُولَةٌ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ صاحِبَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ هو المَسْئُولُ لِأنَّ السُّؤالَ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ كانَ عاقِلًا، وهَذِهِ الجَوارِحُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلِ العاقِلُ الفاهِمُ هو الإنْسانُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمُرادُ أهْلُها يُقالُ لَهُ لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لا يَحِلُّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ، ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لا يَحِلُّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ.