Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:34-35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ تَقَدَّمَ لِأجْلِ تَوْثِيقِ الأمْرِ وتَوْكِيدِهِ فَهو عَهْدٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَدَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ كُلُّ عَقْدٍ مِنَ العُقُودِ كَعَقْدِ البَيْعِ والشَّرِكَةِ، وعَقْدِ اليَمِينِ والنَّذْرِ، وعَقْدِ الصُّلْحِ، وعَقْدِ النِّكاحِ. وحاصِلُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ عَقْدٍ وعَهْدٍ جَرى بَيْنَ إنْسانَيْنِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِما الوَفاءُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ العَقْدِ والعَهْدِ، إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَمُقْتَضاهُ الحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ وقَعَ التَّراضِي بِهِ وبِصِحَّةِ كُلِّ شَرِكَةٍ وقَعَ التَّراضِي بِها، ويُؤَكَّدُ هَذا النَّصُّ بِسائِرِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الوَفاءِ بِالعُهُودِ والعُقُودِ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَوْلِهِ: ”إذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ“ وقَوْلِهِ: ”«مَنِ اشْتَرى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ فَهو بِالخِيارِ إذا رَآهُ» “ فَجَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في البَيُوعاتِ والعُهُودِ والعُقُودِ الصِّحَّةُ ووُجُوبُ الِالتِزامِ.