Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ ذَكَرَ كَوْنَهُ مَظْلُومًا بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وصِيغَةُ التَّنْكِيرِ عَلى ما عُرِفَ تَدُلُّ عَلى الكَمالِ، فالإنْسانُ المَقْتُولُ ما لَمْ يَكُنْ كامِلًا في وصْفِ المَظْلُومِيَّةِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا النَّصِّ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ المُسْلِمَ إذا قَتَلَ الذِّمِّيَّ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ والمُشْرِكُ يَحِلُّ دَمُهُ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُشْرِكٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] حَكَمَ بِأنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ في حَقِّ البَعْضِ، فَلَوْ كانَ كُفْرُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ شَيْئًا مُغايِرًا لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مَغْفُورًا في حَقِّ بَعْضِ النّاسِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصِرْ مَغْفُورًا في حَقِّ أحَدٍ دَلَّ عَلى أنَّ كُفْرَهم شِرْكٌ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَقَ دْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [البقرة: ٧٣] فَهَذا التَّثْلِيثُ الَّذِي قالَ بِهِ هَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونَ تَثْلِيثًا في الصِّفاتِ وهو باطِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَلا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَثْلِيثًا لِلْكُفْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَثْلِيثًا في الذَّواتِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ ولا شَكَّ أنَّ القائِلَ بِهِ مُشْرِكٌ، فَثَبَتَ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُشْرِكَ يَجِبُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ومُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ إباحَةُ دَمِ الذِّمِّيِّ فَإنْ لَمْ تَثْبُتِ الإباحَةُ فَلا أقَلَّ مِن حُصُولِ شُبْهَةِ الإباحَةِ.