Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:29-30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ أمّا تَفْسِيرُ (تَقْعُدَ)، فَقَدْ سَبَقَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وأمّا كَوْنُهُ مَلُومًا فَلِأنَّهُ يَلُومُ نَفْسَهُ. وأصْحابُهُ أيْضًا يَلُومُونَهُ عَلى تَضْيِيعِ المالِ بِالكُلِّيَّةِ وإبْقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ في الضُّرِّ والمِحْنَةِ، وأمّا كَوْنُهُ مَحْسُورًا فَقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ لِلْبَعِيرِ: هو مَحْسُورٌ إذا انْقَطَعَ سَيْرُهُ وحَسَرْتُ الدّابَّةَ إذا سَيَّرَها حَتّى يَنْقَطِعَ سَيْرُها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وجَمْعُ الحَسِيرِ حَسْرى مِثْلُ قَتْلى وصَرْعى، وقالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ مَن أنْفَقَ كُلَّ مالِهِ ونَفَقاتِهِ بِمَنِ انْقَطَعَ في سَفَرِهِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ مَطِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ مِنَ المالِ كَأنَّهُ مَطِيَّةٌ يَحْمِلُ الإنْسانَ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ الشَّهْرِ أوِ السَّنَةِ، كَما أنَّ ذَلِكَ البَعِيرَ يَحْمِلُهُ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ المَنزِلِ فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ البَعِيرُ بَقِيَ في وسَطِ الطَّرِيقِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ إذا أنْفَقَ الإنْسانُ مِقْدارَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في مُدَّةِ شَهْرٍ بَقِيَ في وسَطِ ذَلِكَ الشَّهْرِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، ومَن فَعَلَ هَذا لَحِقَهُ اللَّوْمُ مِن أهْلِهِ والمُحْتاجِينَ إلى إنْفاقِهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ سُوءِ تَدْبِيرِهِ وتَرْكِ الحَزْمِ في مُهِمّاتِ مَعاشِهِ.
* * *