Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّ إيصالَ الخَيْرِ إلى الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ لِداعِيَةِ إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ، وقَدْ يَمْتَزِجُ بِهَذا الغَرَضِ سائِرُ الأغْراضِ، وإيصالُ الخَيْرِ إلى الوَلَدِ لَيْسَ لِهَذا الغَرَضِ فَقَطْ. فَكانَ الإنْعامُ فِيهِ أتَمَّ وأكْمَلَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ نِعْمَةٌ عَلى غَيْرِهِ مِثْلَ ما لِلْوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ، فَبَدَأ اللَّهُ تَعالى بِشُكْرِ نِعْمَةِ الخالِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِشُكْرِ نِعْمَةِ الوالِدَيْنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ والسَّبَبُ فِيهِ ما بَيَّنّا أنَّ أعْظَمَ النِّعَمِ بَعْدَ إنْعامِ الإلَهِ الخالِقِ نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: الوالِدانِ إنَّما طَلَبا تَحْصِيلَ اللَّذَّةِ لِنَفْسَيْهِما فَلَزِمَ مِنهُ دُخُولُ الوَلَدِ في الوُجُودِ وحُصُولُهُ في عالَمِ الآفاتِ والمَخافاتِ، فَأيُّ إنْعامٍ لِلْأبَوَيْنِ عَلى الوَلَدِ ؟ حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِنَ المُتَّسِمِينَ بِالحِكْمَةِ كانَ يَضْرِبُ أباهُ ويَقُولُ: هو الَّذِي أدْخَلَنِي في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وعَرَّضَنِي لِلْمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والزَّمانَةِ، وقِيلَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّي: ماذا نَكْتُبُ عَلى قَبْرِكَ ؟ قالَ اكْتُبُوا عَلَيْهِ:
صفحة ١٤٩
هَذا جَناهُ أبِي عَلَيَّ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدِ
وقالَ في تَرْكِ التَّزَوُّجِ والوَلَدِ:
وتَرَكْتُ أوْلادِي وهم في نِعْمَةِ الـ ∗∗∗ ـعَدَمِ الَّتِي سَبَقَتْ نَعِيمَ العاجِلِ