Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: انْظُرْ إلى عَطائِنا المُباحِ إلى الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا، كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فَأوْصَلْناهُ إلى مُؤْمِنٍ وقَبَضْناهُ عَنْ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وأوْصَلْناهُ إلى كافِرٍ، وقَبَضْناهُ عَنْ كافِرٍ آخَرَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في هَذا التَّفاوُتِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وقالَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ والمَعْنى: أنَّ تَفاضُلَ الخَلْقِ في دَرَجاتِ مَنافِعِ الدُّنْيا مَحْسُوسٌ، فَتَفاضُلُهم في دَرَجاتِ مَنافِعِ الآخِرَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ، فَإنَّ نِسْبَةَ التَّفاضُلِ في دَرَجاتِ الآخِرَةِ إلى التَّفاضُلِ في دَرَجاتِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ الآخِرَةِ إلى الدُّنْيا، فَإذا كانَ الإنْسانُ تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في طَلَبِ فَضِيلَةِ الدُّنْيا فَبِأنْ تَقْوى رَغْبَتُهُ في طَلَبِ فَضِيلَةِ الآخِرَةِ أوْلى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ الآخِرَةَ أعْظَمُ وأشْرَفُ مِنَ الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، والكافِرِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ، فَيَظْهَرُ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] .