Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:16-17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو عادَتُنا مَعَ الَّذِينَ يَفْسُقُونَ ويَتَمَرَّدُونَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ نُوحٍ، وهم عادٌ وثَمُودُ وغَيْرُهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خاطَبَ رَسُولَهُ بِما يَكُونُ خِطابًا لِغَيْرِهِ ورَدْعًا وزَجْرًا لِلْكُلِّ فَقالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ راءٍ لِجَمِيعِ المَرْئِيّاتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ الخَلْقِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَكانَ قادِرًا عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلى كُلِّ أحَدٍ بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِ. وأيْضًا أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ والظُّلْمِ. ومَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ أعْنِي العِلْمَ التّامَّ، والقُدْرَةَ الكامِلَةَ، والبَراءَةَ عَنِ الظُّلْمِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، وخَوْفٌ عَظِيمٌ لِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ أُلْغِيَتِ الباءُ مِن قَوْلِكَ ”بِرَبِّكَ“ جازَ، وإنَّما يَجُوزُ دُخُولُ الباءِ في المَرْفُوعِ إذا كانَ يُمْدَحُ بِهِ صاحِبُهُ أوْ يُذَمُّ. كَقَوْلِكَ: كَفاكَ بِهِ، وأكْرِمْ بِهِ رَجُلًا، وطابَ بِطَعامِكَ طَعامًا. وجادَ بِثَوْبِكَ ثَوْبًا، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا أوْ ذَمًّا لَمْ يَجُزْ دُخُولُها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ”قامَ بِأخِيكَ“ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ أخُوكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.