cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:16-17

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بِسَبَبِ ظُهُورِ المَعاصِي مِن أهْلِها لَمْ نُعاجِلْها بِالعَذابِ في أوَّلِ ظُهُورِ المَعاصِي مِنهم، بَلْ أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالرُّجُوعِ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، وإنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِذَلِكَ الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتْرَفَ هو المُتَنَعِّمُ ومَن كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ قِيامُهُ بِالشُّكْرِ أوْجَبَ، فَإذا أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مَعَ أنَّهُ تَعالى لا يَقْطَعُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ بَلْ يَزِيدُها حالًا بَعْدَ حالٍ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عِنادُهم وتَمَرُّدُهم وبُعْدُهم عَنِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَصُبُّ اللَّهُ البَلاءَ عَلَيْهِمْ صَبًّا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وهَذانَ التَّأْوِيلانِ راجِعانِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عِبادَهُ أنَّهُ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ أُمَّةً ظالِمَةً حَتّى يَعْذِرَ إلَيْهِمْ غايَةَ الإعْذارِ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ اليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ، كَما قالَ في قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] وقالَ: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقالَ في غَيْرِهِمْ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] فَأخْبَرَ تَعالى أوَّلًا أنَّهُ لا يَظْهَرُ العَذابُ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا بَعَثَ الرَّسُولَ أيْضًا فَكَذَّبُوا لَمْ يُعاجِلْهم بِالعَذابِ، بَلْ يُتابِعُ عَلَيْهِمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الذُّنُوبِ فَهُناكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ في تَطْبِيقِ الآيَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِأحَدٍ مِن شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ مِثْلُهُ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.