Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:15
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّ الشَّرْعَ إذا جاءَ وأوْجَبَ بَعْضَ الأفْعالِ، وحَرَّمَ بَعْضَها فَلا مَعْنى لِلْإيجابِ والتَّحْرِيمِ، إلّا أنْ يَقُولَ: لَوْ تَرَكْتَ كَذا وفَعَلْتَ كَذا لَعاقَبْتُكَ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ أوْ لا يَجِبَ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ، فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ وجَبَ بِالسَّمْعِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى هَذا الوُجُوبِ إلّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ
صفحة ١٣٩
العِقابِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنِ العِقابِ عَلى تَرْكِ الواجِبِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ ماهِيَّةُ الوُجُوبِ حاصِلَةً مَعَ عَدَمِ العِقابِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ماهِيَّةَ الواجِبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ، وهَذا الخَوْفُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَثَبَتَ أنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ، وثَبَتَ أنَّ هَذا الخَوْفَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ، فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: الوُجُوبُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ.
فَإنْ قالُوا: ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ ؟