Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:13-14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ الفُرْسُ البَخْتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطّائِرِ ما طارَ لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتَّحْقِيقُ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ العَقْلِ والعِلْمِ، والعُمْرِ والرِّزْقِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. والإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَجاوَزَ ذَلِكَ القَدْرَ وأنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ القَدْرِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَتِلْكَ الأشْياءُ المَقْدُورَةُ كَأنَّها تَطِيرُ إلَيْهِ وتَصِيرُ إلَيْهِ، فَبِهَذا المَعْنى لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ المُقَدَّرَةِ بِلَفْظِ الطّائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَضى في عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَهو لازِمٌ لَهُ واصِلٌ إلَيْهِ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لازِمٌ لَهُ، وما كانَ لازِمًا لِلشَّيْءِ كانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ عَنْهُ واجِبَ الحُصُولِ لَهُ وهو المَقْصُودُ.