Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ . وهَذا كَلامٌ مُجْمَلٌ وفي تَفْصِيلِهِ وشَرْحِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الجَنَّةِ عَظِيمَةٌ، وأهْوالَ النّارِ شَدِيدَةٌ، فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاهَدَهُما في الدُّنْيا، ثُمَّ شاهَدَهُما في ابْتِداءِ يَوْمِ القِيامَةِ فَرُبَّما رَغَبَ في خَيْراتِ الجَنَّةِ أوْ خافَ مِن أهْوالِ
صفحة ١٢٢
النّارِ، أمّا لَمّا شاهَدَهُما في الدُّنْيا في لَيْلَةِ المِعْراجِ فَحِينَئِذٍ لا يَعْظُمُ وقْعُهُما في قَلْبِهِ يَوْمَ القِيامَّةِ فَلا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِهِما، وحِينَئِذٍ يَتَفَرَّغُ لِلشَّفاعَةِ.
الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مُشاهَدَتُهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ لِلْأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ - صارَتْ سَبَبًا لِتَكامُلِ مَصْلَحَتِهِ أوْ مَصْلَحَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّهُ إذا صَعَدَ الفَلَكَ وشاهَدَ أحْوالَ السَّماواتِ والكُرْسِيَّ والعَرْشَ، صارَتْ مُشاهَدَةُ أحْوالِ هَذا العالَمِ وأهْوالِهِ حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَتَحْصُلُ لَهُ زِيادَةُ قُوَّةٍ في القَلْبِ بِاعْتِبارِها يَكُونُ في شُرُوعِهِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أكْمَلَ، وقِلَّةُ التِفاتِهِ إلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى أقْوى. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن عايَنَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في هَذا البابِ - لا يَكُونُ حالُهُ في قُوَّةِ النَّفْسِ وثَباتِ القَلْبِ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ إلّا أضْعافَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ حالُ مَن لَمْ يُعايِنْ.