Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ يُضِيفُ ذاتَهُ إلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: ذاتِي ونَفْسِي، فَيَلْزَمُكم أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مُغايِرَةً لِذاتِهِ، وهَذا مُحالٌ.
قُلْنا: نَحْنُ لا نَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ حَتّى يَلْزَمَنا ما ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ إنَّما نَتَمَسَّكُ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَوْجُودٌ واحِدٌ. وذَلِكَ الشَّيْءُ الواحِدُ يَأْخُذُ بِآلَةِ اليَدِ، ويُبْصِرُ بِآلَةِ العَيْنِ، ويَسْمَعُ بِآلَةِ الأُذُنِ. فالإنْسانُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهَذِهِ الأعْضاءُ آلاتٌ لَهُ في هَذِهِ الأفْعالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الأعْضاءِ والآلاتِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ البِنْيَةِ، ولِهَذا الجَسَدِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ المُرادُ مِنَ العَبْدِ جَوْهَرُ الرُّوحِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَلَمْ
* * *
صفحة ١٢١
يَبْقَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُصُولِ الإسْراءِ بِالجَسَدِ.
فَإنْ قالُوا: فالإسْراءِ بِالرُّوحِ لَيْسَ بِأمْرٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ .
قُلْنا: هَذا أيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ لِرُوحِهِ مِن أنْواعِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ البَتَّةَ، فَلا جَرَمَ كانَ هَذا الكَلامُ لائِقًا بِهِ. فَهَذا تَقْرِيرُ وجْهِ السُّؤالِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ المِعْراجِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ مَعًا.