Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَقامُ الثّانِي: في البحث عَنْ وُقُوعِ المِعْراجِ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْرى بِرُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَسَدِهِ مِن مَكَّةَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى - القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّ العَبْدَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإسْراءُ حاصِلًا لِمَجْمُوعِ الجَسَدِ والرُّوحِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدَلالَ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ وحْدَهُ أوِ الجَسَدُ وحْدَهُ أوْ مَجْمُوعُ الجَسَدِ والرُّوحِ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ وحْدَهُ، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ باقٍ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ، والأجْزاءُ البَدَنِيَّةُ في التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، والباقِي غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ، فالإنْسانُ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ.
وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ حالَ ما يَكُونُ غافِلًا عَنْ جَمِيعِ أجْزائِهِ البَدَنِيَّةِ، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِلْمَغْفُولِ عَنْهُ، فالإنْسانُ مُغايِرٌ لِهَذا البَدَنِ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ بِمُقْتَضى فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ: يَدِي، ورِجْلِي، ودِماغِي، وقَلْبِي، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْضاءِ، فَيُضِيفُ كُلَّها إلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ. والمُضافُ غَيْرُ المُضافِ إلَيْهِ، فَذاتُهُ المَخْصُوصَةُ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُغايِرَةً لِكُلِّ هَذِهِ الأعْضاءِ.