Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ خالِقَ العالَمِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ البالِغَةِ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ في جَسَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ أنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ هَذا المِعْراجِ أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ.
أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى التَّعَجُّبُ، إلّا أنَّ هَذا التَّعَجُّبَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهَذا المَقامِ، بَلْ هو حاصِلٌ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فانْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا تَبْلَعُ سَبْعِينَ ألْفَ حَبْلٍ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، ثُمَّ تَعُودُ في الحالِ عَصًا صَغِيرَةً كَما كانَتْ - أمْرٌ عَجِيبٌ ! وخُرُوجُ النّاقَةِ العَظِيمَةِ مِنَ الجَبَلِ الأصَمِّ، وإظْلالُ الجَبَلِ العَظِيمِ في الهَواءِ عَجِيبٌ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ يُوجِبُ الإنْكارَ والدَّفْعَ، لَزِمَ الجَزْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ المُعْجِزاتِ، وإثْباتُ المُعْجِزاتِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ أصْلِ النُّبُوَّةِ، وإنْ كانَ مُجَرَّدُ التَّعَجُّبِ لا يُوجِبُ الإنْكارَ والإبْطالَ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالمِعْراجِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *