Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: نَحْنُ إنَّما اسْتَدْلَلْنا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ عَلى أنَّ حُصُولَ حَرَكَةٍ مُنْتَهِيَةٍ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لَمّا كانَتْ مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها كانَتْ أيْضًا مُمْكِنَةَ الحُصُولِ في جِسْمِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ، فَذاكَ مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الوجه الخامِسُ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ أنَّ الرِّياحَ كانَتْ تَسِيرُ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَواضِعِ البَعِيدَةِ في الأوْقاتِ القَلِيلَةِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ مَسِيرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [ سَبَأٍ: ١٢] . بَلْ نَقُولُ: الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياحَ تَنْتَقِلُ عِنْدَ شِدَّةِ هُبُوبِها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ في غايَةِ البُعْدِ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ.
الوجه السّادِسُ: أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أحْضَرَ عَرْشَ بِلْقِيسَ مِن أقْصى اليَمَنِ إلى أقْصى الشّامِ في مِقْدارِ لَمْحِ البَصَرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠] . وإذا كانَ مُمْكِنًا في حَقِ بَعْضِ النّاسِ، عَلِمْنا أنَّهُ في نَفْسِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ.