Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 17:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوجه الرّابِعُ: أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُسَلِّمُونَ وُجُودَ إبْلِيسَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى إلْقاءَ الوَسْوَسَةِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِقالُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأجْلِ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، فَلَمّا سَلَّمُوا جَوازَ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في حَقِّ إبْلِيسَ، فَلَأنْ يُسَلِّمُوا جَوازَ مِثْلِها في حَقِّ أكابِرِ الأنْبِياءِ كانَ أوْلى، وهَذا الإلْزامُ قَوِيٌّ عَلى مَن يُسَلِّمُ أنَّ إبْلِيسَ جِسْمٌ يَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الشِّرِّيرَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، فَهَذا الإلْزامُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُوافِقُونَ عَلى أنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَنَقِّلٌ.
فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ المَلائِكَةَ والشَّياطِينَ يَصِحُّ في حَقِّهِمْ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، ولا يَمْتَنِعُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في ذَواتِها، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ جِسْمٌ كَثِيفٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ فِيهِ ؟