Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ في المَرْتَبَةِ الأُولى رَغَّبَ في تَرْكِ الِانْتِقامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ عَدَلَ عَنِ الرَّمْزِ إلى التَّصْرِيحِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ أمَرَنا بِالصَّبْرِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ كَأنَّهُ ذَكَرَ الوَعِيدَ في فِعْلِ الِانْتِقامِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ ﴿والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ في تَرْكِ أصْلِ الِانْتِقامِ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ أكُونَ مَعَكَ فَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ ومِنَ المُحْسِنِينَ.
ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ عَرَفَ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ مَرْتَبَةً فَمَرْتَبَةً، ولَمّا قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الأرْبَعَةَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ واقِعَةً عَلى هَذا الوجه، وعِنْدَ الوُقُوفِ عَلى هَذِهِ اللَّطائِفِ يَعْلَمُ العاقِلُ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ.