Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:126-127
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِقالُ مِنَ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ . وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الأوْلى تَرْكُ ذَلِكَ الِانْتِقامِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أفْضَلُ مِنَ القَسْوَةِ، والإنْفاعَ أفْضَلُ مِنَ الإيلامِ.
صفحة ١١٤
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهو وُرُودُ الأمْرِ بِالجَزْمِ بِالتَّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ﴾؛ لِأنَّهُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ أنَّ التَّرْكَ خَيْرٌ وأوْلى، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ شاقًّا شَدِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُفِيدُ سُهُولَتَهُ، فَقالَ: ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ، وهَذا هو السَّبَبُ الكُلِّيُّ الأصْلِيُّ المُفِيدُ في حُصُولِ الصَّبْرِ، وفي حُصُولِ جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ الكُلِّيَّ الأصْلِيَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو السَّبَبُ الجُزْئِيُّ القَرِيبُ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الِانْتِقامِ، وعَلى إنْزالِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ هَيَجانِ الغَضَبِ، وشِدَّةُ الغَضَبِ لا تَحْصُلُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ: