Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:125
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ مُكَلَّفٌ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَهو تَعالى أعْلَمُ بِالضّالِّينَ وأعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ. والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها نُفُوسٌ مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ قَلِيلَةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ كَثِيرَةُ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. وبَعْضُها مُظْلِمَةٌ كَدِرَةٌ قَوِيَّةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ عَدِيمَةُ الِالتِفاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعْداداتُ مِن لَوازِمِ جَواهِرِها، لا جَرَمَ يَمْتَنِعُ انْقِلابُها وزَوالُها؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: اشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا تَطْمَعُ في حُصُولِ الهِدايَةِ لِلْكُلِّ، فَإنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِضَلالِ النُّفُوسِ الضّالَّةِ الجاهِلَةِ وبِإشْراقِ النُّفُوسِ المُشْرِقَةِ الصّافِيَةِ، فَلِكُلِّ نَفْسٍ فِطْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وماهِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما قالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] . واللَّهُ أعْلَمُ.