Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:125
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ومِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ فَقَصَرَ الدَّعْوَةَ عَلى ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ فَهي الحِكْمَةُ، وإنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ فَهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، أمّا الجَدَلُ فَلَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لِلدَّعْوَةِ وهو الإلْزامُ والإفْحامُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ والجَدَلِ الأحْسَنِ، بَلْ قَطَعَ الجَدَلَ عَنْ بابِ الدَّعْوَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الدَّعْوَةُ، وإنَّما الغَرَضُ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَباحِثَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أدْرَجَ في هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الأسْرارَ العالِيَةَ الشَّرِيفَةَ، مَعَ أنَّ أْكَثْرَ الخَلْقِ كانُوا غافِلِينَ عَنْها، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ إلّا مَن كانَ مِن خَواصِّ أُولِي الأبْصارِ.