Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:113-114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ ذَكَرَ المُمَثَّلَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: مِن أنْفُسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَعْنِي الجُوعَ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ. وقِيلَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الجُوعَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ كُفْرِكم فاتْرُكُوا الكُفْرَ حَتّى تَأْكُلُوا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: فَكُلُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، يُرِيدُ مِنَ الغَنائِمِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَهِدُوا وقالُوا: عادَيْتَ الرِّجالَ فَما بالُ النِّسْوانِ والصِّبْيانِ ! وكانَتِ المِيرَةُ قَدْ قُطِعَتْ عَنْهم بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأذِنَ في حَمْلِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ فَحُمِلَ إلَيْهِمُ الطَّعامُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا»﴾ والقَوْلُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: أنَّكم لَمّا آمَنتُمْ وتَرَكْتُمُ الكُفْرَ فَكُلُوا الحَلالَ الطَّيِّبَ وهو الغَنِيمَةُ واتْرُكُوا الخَبائِثَ وهي المَيْتَةُ والدَّمُ.