Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الجُوعَ كانَ شَدِيدًا كامِلًا فَصارَ كَأنَّهُ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ الجِهاتِ، فَأشْبَهَ اللِّباسَ. فالحاصِلُ أنَّهُ حَصَلَ في ذَلِكَ الجُوعِ حالَةٌ تُشْبِهُ المَذُوقَ، وحالَةٌ تُشْبِهُ المَلْبُوسَ؛ فاعْتَبَرَ اللَّهُ تَعالى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ .
والوجه الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ اللَّهَ عَرَّفَها لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ إلّا أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنِ التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ الإذاقَةِ، وأصْلُ الذَّوْقِ بِالفَمِ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعارُ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ التَّعَرُّفِ، وهو الِاخْتِبارُ، تَقُولُ: ناظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عِنْدَهُ. قالَ الشّاعِرُ:
ومَن يَذُقِ الدُّنْيا فَإنِّي طَعِمْتُها ∗∗∗ وسِيقَ إلَيْنا عَذْبُها وعَذابُها
ولِباسُ الجُوعِ والخَوْفِ هو ما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضُّمُورِ وشُحُوبِ اللَّوْنِ، ونَهْكَةِ البَدَنِ، وتَغَيُّرِ الحالِ، وكُسُوفِ البالِ، فَكَما تَقُولُ: تَعَرَّفْتُ سُوءَ أثَرِ الخَوْفِ والجُوعِ عَلى فُلانٍ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ذُقْتُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ عَلى فُلانٍ.
والوجه الثّالِثُ: أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ اللُّبْسِ عَلى المُماسَّةِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: فَأذاقَها اللَّهُ مَساسَ الجُوعِ والخَوْفِ.
صفحة ١٠٤