Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:91-92
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، والمُرادُ: فَيُجازِيكم عَلى ما تَفْعَلُونَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ الوَفاءِ وتَحْرِيمَ النَّقْضِ، وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في المُشَبَّهِ بِهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَها: رايِطَةُ، وقِيلَ: رَيْطَةُ، وقِيلَ: تُلَقَّبُ جَعْراءَ، وكانَتْ حَمْقاءَ تَغْزِلُ الغَزْلَ هي وجَوارِيها، فَإذا غَزَلَتْ وأبْرَمَتْ أمَرَتْهُنَّ فَنَقَضْنَ ما غَزَلْنَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ الوَصْفُ دُونَ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بِالأمْثالِ صَرْفُ المُكَلَّفِ عَنْهُ إذا كانَ قَبِيحًا، والدُّعاءُ إلَيْهِ إذا كانَ حَسَنًا، وذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ مِن دُونِ التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قُوَّةِ الغَزْلِ بِإبْرامِها وفَتْلِها.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: واحِدُها نِكْثٌ، وهو الغَزْلُ مِنَ الصُّوفِ والشَّعْرِ يُبْرَمُ ويُنْسَجُ، فَإذا أحْكَمَتِ النَّسِيجَةَ قَطَعَتْها ونَكَثَتْ خُيُوطَها المُبْرَمَةَ ونَفَشَتْ تِلْكَ الخُيُوطَ، وخَلَطَتْ بِالصُّوفِ ثُمَّ غَزَلَتْ ثانِيَةً، والنَّكْثُ المَصْدَرُ، ومِنهُ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ، كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ.