Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:91-92
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
تُرَقِّيها إلى عالَمِ الغَيْبِ وسُرادِقاتِ القُدْسِ، ومُجاوَرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها هي الَّتِي تَصُدُّها عَنْ تِلْكَ السَّعاداتِ، وتَمْنَعُها عَنِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الخَيْراتِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ونَهى عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ نَبَّهَ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُونَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى مَبْدَأِ عَرْصَةِ القِيامَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُّلُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الجَوْرَ والفَحْشاءَ. وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَيْفَ يَنْهاهم عَمّا يَخْتَرِعُهُ فِيهِمْ، وكَيْفَ يَنْهى عَمّا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ فِيهِمْ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا لَكانَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَفْعَلُوا خِلافَ ما خَلَقَهُ فِيكم، ويَنْهاكم عَنْ أفْعالٍ خَلَقَها فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، فَلَوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ما فَعَلَها لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٤ ] . وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٣ ] .