cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:90

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ دَخَلَ فِيهِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، وأشْرَفُها وأجَلُّها صِلَةُ الرَّحِمِ، لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ فَهَذا تَفْصِيلُ القَوْلِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها. وأمّا الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها، وهي الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في النَّفْسِّ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً؛ وهي الشَّهْوانِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ، والغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ، والوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ، والعَقْلِيَّةُ المَلَكِيَّةُ. وهَذِهِ القُوَّةُ الرّابِعَةُ؛ أعْنِي العَقْلِيَّةَ المَلَكِيَّةَ - لا يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَأْدِيبِها وتَهْذِيبِها؛ لِأنَّها مِن جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ومِن نَتائِجِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ العُلْوِيَّةِ، إنَّما المُحْتاجُ إلى التَّأْدِيبِ والتَّهْذِيبِ تِلْكَ القُوى الثَّلاثَةُ الأُوَلُ. أمّا القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ فَهي إنَّما تُرَغِّبُ في تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ، وهَذا النوع مَخْصُوصٌ بِاسْمِ الفُحْشِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢ ] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ إذْنِ الشَّرِيعَةِ. وأمّا القُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ فَهي أبَدًا تَسْعى في إيصالِ الشَّرِّ والبَلاءِ والإيذاءِ إلى سائِرِ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ النّاسَ يُنْكِرُونَ تِلْكَ الحالَةَ، فالمُنْكَرُ عِبارَةٌ عَنِ الإفْراطِ الحاصِلِ في آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. وأمّا القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ فَهي أبَدًا تَسْعى في الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعِ وإظْهارِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ البَغْيِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْبَغْيِ إلّا التَّطاوُلُ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنْطَبِقَةٌ عَلى أحْوالِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ، ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: أخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ هي الشَّهْوانِيَّةُ، وأوْسَطُها الغَضَبِيَّةُ وأعْلاها الوَهْمِيَّةُ. واللَّهُ تَعالى راعى هَذا التَّرْتِيبَ، فَبَدَأ بِالفَحْشاءِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، ثُمَّ بِالمُنْكَرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، ثُمَّ بِالبَغْيِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ. فَهَذا ما وصَلَ إلَيْهِ عَقْلِي وخاطِرِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ، فَإنْ يَكُ صَوابًا فَمِنَ الرَّحْمَنِ، وإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهُ ورَسُولُهُ عَنْهُ بَرِيئانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما خَصَّنا بِهَذا النوع مِنَ الفَضْلِ والإحْسانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.