Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:90
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ في المَأْمُوراتِ كَثْرَةً وفي المَنهِيّاتِ أيْضًا كَثْرَةً، وإنَّما حَسُنَ تَفْسِيرُ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، إذا حَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ وبَيْنَ ذَلِكَ المَعْنى مُناسَبَةٌ. أمّا إذا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الحالَةُ كانَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ فاسِدًا، فَإذا فَسَّرْنا العَدْلَ بِشَيْءٍ والإحْسانَ بِشَيْءٍ آخَرَ وجَبَ أنْ نُبَيِّنَ أنَّ لَفْظَ العَدْلِ يُناسِبُ ذَلِكَ المَعْنى، ولَفْظُ الإحْسانِ يُناسِبُ هَذا المَعْنى، فَلَمّا لَمْ نُبَيِّنْ هَذا المَعْنى كانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّحَكُّمِ، ولَمْ يَكُنْ جَعْلُ بَعْضِ تِلْكَ المَعانِي تَفْسِيرًا لِبَعْضِ تِلْكَ الألْفاظِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها لَيْسَتْ قَوِيَّةً في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وأقُولُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي العَدْلُ والإحْسانُ وإيتاءُ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَدْلُ والإحْسانُ وإيتاءُ ذِي القُرْبى ثَلاثَةَ أشْياءَ مُتَغايِرَةً. ووَجَبَ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ ثَلاثَةَ أشْياءَ مُتَغايِرَةً؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ، فَنَقُولُ: أمّا العَدْلُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ أمْرٌ واجِبُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ، ولا بُدَّ مِن تَفْصِيلِ القَوْلِ فِيهِ.