Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:89
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ زَمانٍ بَعْدَ زَمانِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّهِيدِ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ عَصْرًا مِنَ الأعْصارِ لا يَخْلُو مِن شَهِيدٍ عَلى النّاسِ، وذَلِكَ الشَّهِيدُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ جائِزِ الخَطَأِ، وإلّا لافْتَقَرَ إلى شَهِيدٍ آخَرَ، ويَمْتَدُّ ذَلِكَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِن أقْوامٍ تَقُومُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إجْماعُ الأُمَّةِ حُجَّةً. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ بِذَلِكَ الشَّهِيدِ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً -مِن أعْضاءِ الإنْسانِ إنَّها تَشْهَدُ عَلَيْهِ، وهي الأُذُنانِ والعَيْنانِ والرِّجْلانِ واليَدانِ والجِلْدُ واللِّسانُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ أنَّهُ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ الأعْضاءُ لا شَكَّ أنَّها مِن أنْفُسِهِمْ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الأُمَّةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ -ذَلِكَ الشَّهِيدُ مِنَ الأُمَّةِ، وآحادُ الأعْضاءِ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها مِنَ الأُمَّةِ، وأمّا حَمْلُ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ عَلى الأنْبِياءِ فَبَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهم أنْبِياءَ مَبْعُوثِينَ إلى الخَلْقِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَلا فائِدَةَ في حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.
* * *