Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:81-83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”ثُمَّ“ ؟
قُلْنا: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ يُسْتَبْعَدُ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي المُرادُ بِها جَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ؛ ومَعْنى أنَّهم أنْكَرُوهُ هو أنَّهم ما أفْرَدُوهُ تَعالى بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ، بَلْ شَكَرُوا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. ولِأنَّهم قالُوا: إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعِمُ بِشَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، ونُبُوَّتُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قالَ تَعالى:
صفحة ٧٧
﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] .
الثّالِثُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: لا يَسْتَعْمِلُونَها في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى.
ثم قال تَعالى: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ كُلُّهم كافِرِينَ ؟
قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّما قالَ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، أوْ كانَ ناقِصَ العَقْلِ مَعْتُوهًا، فَأرادَ بِالأكْثَرِ البالِغِينَ الأصِحّاءَ.