Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:81-83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: القَمِيصُ الواحِدُ لَمّا كانَ دافِعًا لِلْحَرِّ كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ القَمِيصِ نافِعًا لِلْبَرْدِ، فَصَحَّ ما ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي دُرُوعَ الحَدِيدِ، ومَعْنى البَأْسِ الشِّدَّةُ، ويُرِيدُ هَهُنا شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والرَّمْيِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نِعْمَةِ الدُّنْيا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ما خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لَكم، وأنْعَمَ بِها عَلَيْكم فَإنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَةَ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْكم. ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الإنْعاماتِ أحَدٌ سِواهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْناكم هَذِهِ السَّرابِيلاتِ؛ لِتَسْلَمُوا عَنْ بَأْسِ الحَرْبِ، وقِيلَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ النِّعَمَ؛ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها فَتُؤْمِنُوا، فَتَسْلَمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ.
ثم قال تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا يا مُحَمَّدُ، وأعْرَضُوا وآثَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا ومُتابَعَةَ الآباءِ والمُعاداةَ في الكُفْرِ فَعَلى أنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التّامِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وذَلِكَ نِهايَةٌ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ.