Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:77-79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ ﴿والأبْصارَ﴾ لِتُبْصِرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَعْقِلُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ نَحْوَ أغْرِبَةٍ وغُرابٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، وما قِيلَ فِيهِ فِئْدانٌ، كَما قِيلَ: غُرابٌ غِرْبانٌ. وأقُولُ: لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ جَمْعِ القِلَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرانِ، وأنَّ الفُؤادَ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الفُؤادَ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ مَشْغُولِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبُعِيَّةِ، فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ في جَمْعِهِ صِيغَةَ جَمْعِ القِلَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَعْلُ السَّمْعِ والبَصَرِ مُتَأخِّرًا عَنِ الإخْراجِ عَنِ البَطْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
والجَوابُ: أنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ وأيْضًا إذا حَمَلْنا السَّمْعَ عَلى الِاسْتِماعِ، والأبْصارَ عَلى الرُّؤْيَةِ - زالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أما قوله: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: