Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:77-79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الجِسْمَ ما هو ؟ وأنَّ المُحْدَثَ ما هو ؟ فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ
صفحة ٧٣
لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وعُلُومٍ سابِقَةٍ. والحاصِلُ أنَّ العُلُومَ الكَسْبِيَّةَ إنَّما يُمْكِنُ اكْتِسابُها بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. وحُدُوثُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما كانَ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها. وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إعانَةِ هَذِهِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَظَهَرَ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُدُوثِ هَذِهِ المَعارِفِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ هو أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَواسَّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِيَصِيرَ حُصُولُ هَذِهِ الحَواسِّ سَبَبًا لِانْتِقالِ نُفُوسِكم مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَذِهِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ.