Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:77-79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وجَوابُهُ أنْ نَقُولَ: الحَقُّ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في نُفُوسِنا، ثُمَّ إنَّها حَدَثَتْ وحَصَلَتْ.
أما قوله: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً.
قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّها إنَّما حَدَثَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ عَدَمِها بِواسِطَةِ إعانَةِ الحَواسِّ الَّتِي هي السَّمْعُ والبَصَرُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ النَّفْسَ كانَتْ في مَبْدَأِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإذا أبْصَرَ الطِّفْلُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في خَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المُبْصَرِ، وكَذَلِكَ إذا سَمِعَ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في سَمْعِهِ وخَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المَسْمُوعِ، وكَذا الطَّوْلُ في سائِرِ الحَواسِّ فَيَصِيرُ حُصُولُ الحَواسِّ سَبَبًا لِحُضُورِ ماهِيّاتِ المَحْسُوساتِ في النَّفْسِ والعَقْلِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُ القِسْمَيْنِ: ما يَكُونُ نَفْسُ حُضُورِهِ مُوجِبًا تامًّا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِإسْنادِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الواحِدَ ما هو ؟ وأنَّ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ ما هو ؟ كانَ حُضُورُ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ عِلَّةً تامَّةً في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الواحِدَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وهَذا القِسْمُ هو عَيْنُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ.