Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوجه الثّانِي في إبْطالِ هَذا الكَلامِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الحاصِلَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ الكامِلِ إمّا أنْ تَكُونَ هي عَيْنَ ما كانَ حاصِلًا في جَوْهَرِ النُّطْفَةِ، أوْ صارَتْ أزْيَدَ مِمّا كانَتْ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحارَّ الغَرِيزِيَّ الحاصِلَ في جَوْهَرِ النُّطْفَةِ كانَ بِمِقْدارِ جِرْمِ النُّطْفَةِ، ولا شَكَّ أنَّ جِرْمَ النُّطْفَةِ كانَ قَلِيلًا صَغِيرًا، فَهَذا البَدَنُ بَعْدَ كِبَرِهِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مِنَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ إلّا ذَلِكَ القَدْرُ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُ في هَذا البَدَنِ أثَرٌ أصْلًا.
وأمّا الثّانِي فَفِيهِ تَسْلِيمٌ أنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تَتَزايَدُ بِحَسَبِ تَزايُدِ الجُثَّةِ والبَدَنِ، وإذا تَزايَدْتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ساعَةً فَساعَةً، وثَبَتَ أنَّ تَزايُدَها يُوجِبُ تَزايُدَ القُوَّةِ والصِّحَّةِ ساعَةً فَساعَةً، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى البَدَنُ الحَيَوانِيُّ أبَدًا في التَّزايُدِ والتَّكامُلِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ازْدِيادَ حالِ البَدَنِ الحَيَوانِيِّ وانْتِقاصَهُ لَيْسَ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِسَبَبِ تَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ.