Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوجه الأوَّلُ: أنّا نَقُولُ: إنَّ في أوَّلِ ما كانَ المَنِيُّ مَنِيًّا، وكانَ الدَّمُ دَمًا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً وكانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ مَغْمُورَةً، وكانَتْ ضَعِيفَةً بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها قَوِيَتْ عَلى تَحْلِيلِ أكْثَرِ تِلْكَ الرُّطُوباتِ وأبانَتْها مِن حَدِّ الدَّمَوِيَّةِ والمَنَوِيَّةِ إلى أنْ صارَتْ عَظْمًا وغُضْرُوفًا وعَصَبًا ورِباطًا، وعِنْدَما تَوَلَّدَتِ الأعْضاءُ وكَمُلَ البَدَنُ قَلَّتِ الرُّطُوباتُ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ قُوَّةٌ أزَيْدُ مِمّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْلِيلُ الرُّطُوباتِ بَعْدَ تَوَلُّدِ البَدَنِ وكَمالِهِ أزْيَدَ مِن تَحَلُّلِها قَبْلَ تَوَلُّدِ البَدَنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ قَبْلَ تَوَلُّدِ البَدَنِ انْتَقَلَ جِسْمُ المَنِيِّ والدَّمِ إلى أنْ صارَ عَظْمًا وعَصَبًا، وأمّا بَعْدَ تَوَلُّدِ البَدَنِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ ولا عُشْرُ عُشْرِهِ، فَلَوْ كانَ تَوَلُّدُ هَذِهِ الأعْضاءِ بِسَبَبِ تَأْثِيرِ الحَرارَةِ في الرُّطُوبَةِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحَلُّلُ الرُّطُوباتِ بَعْدَ كَمالِ البَدَنِ أكْثَرَ مِن تَحَلُّلِها قَبْلَ تَكَوُّنِ البَدَنِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ تَوَلُّدَ البَدَنِ إنَّما كانَ بِتَدْبِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ يُدَبِّرُ أبْدانَ الحَيَواناتِ عَلى وفْقِ مَصالِحِها، وأنَّهُ ما كانَ تَوَلُّدُ البَدَنِ لِأجْلِ ما قالُوهُ مِن تَأْثِيرِ الحَرارَةِ في الرُّطُوبَةِ.