Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فاحْتَجَّ تَعالى بِانْتِقالِ الحَيَوانِ مِن بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ إلى بَعْضٍ، عَلى أنَّ ذَلِكَ النّاقِلَ هو اللَّهُ تَعالى، والأطِبّاءُ الطَّبائِعِيُّونَ قالُوا: المُقْتَضِي لِهَذا الِانْتِقالِ هو طَبِيعَةُ الإنْسانِ، وأنا أحْكِي كَلامَهم عَلى الوجه المُلَخَّصِ، وأُبَيِّنُ ضَعْفَهُ وفَسادَهُ، وحِينَئِذٍ يَبْقى أنَّ ذَلِكَ النّاقِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَصِحُّ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ الطَّبائِعِيُّونَ: إنَّ بَدَنَ الإنْسانِ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ والدَّمُ جَوْهَرانِ حارّانِ رَطْبانِ، والحَرارَةُ إذا عَمِلَتْ في الجِسْمِ الرَّطْبِ قَلَّلَتْ رُطُوبَتَهُ وأفادَتْهُ نَوْعَ يُبْسٍ، وهَذا مُشاهَدٌ مَعْلُومٌ، قالُوا: فَلا يَزالُ ما في هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ مِن قُوَّةِ الحَرارَةِ يُقَلِّلُ ما فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ حَتّى تَتَصَلَّبَ الأعْضاءُ ويَظْهَرَ فِيهِ الِانْعِقادُ، ويَحْدُثَ العَظْمُ والغُضْرُوفُ والعَصَبُ والوَتَرُ والرِّباطُ وسائِرُ الأعْضاءِ، فَإذا تَمَّ تَكَوَّنَ البَدَنُ وكَمُلَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ الجَنِينُ مِن رَحِمِ الأُمِّ، ومَعَ ذَلِكَ فالرُّطُوباتُ زائِدَةٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ تَرى أعْضاءَ الطِّفْلِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِنَ الأُمِّ لَيِّنَةً لَطِيفَةً وعِظامَهُ لَيِّنَةً قَرِيبَةَ الطَّبْعِ مِنَ الغَضارِيفِ، ثُمَّ إنَّ ما في البَدَنِ مِنَ الحَرارَةِ يَعْمَلُ في تِلْكَ الرُّطُوباتِ ويُقَلِّلُها، قالُوا: ويَحْصُلُ لِلْبَدَنِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ.