Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ لِلنّاسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقِصَّةُ تُوَلُّدِ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ: في هَذا القُرْآنِ حَصَلَ ما هو شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ، مِثْلَ هَذا الَّذِي في قِصَّةِ النَّحْلِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ العَسَلَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، والقُرْآنَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وما ذاكَ إلّا قَوْلُهُ: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ وأمّا الحكم بِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، فَهو غَيْرُ مُناسِبٍ.
والثّانِي: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: ”اسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ فَسَقاهُ، فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فَقالَ: ”صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ”«صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ هَذا صِفَةً لِلْعَسَلِ.