Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 16:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ عَلى هَذا القَوْلِ.
ثم قال تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ والمَعْنى: ثُمَّ كُلِي كُلَّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها، فَإذا أكَلْتِها فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ في الطُّرُقِ الَّتِي ألْهَمَكِ وأفْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ: فاسْلُكِي في طَلَبِ تِلْكَ الثَّمَراتِ سُبُلَ رَبِّكِ. أما قوله: ﴿ذُلُلًا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِنَ السُّبُلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَلَّلَها لَها ووَطَّأها وسَهَّلَها، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فاسْلُكِي﴾ أيْ: وأنْتِ أيُّها النَّحْلُ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ.
* * *
ثم قال تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ يَحْتَجَّ الإنْسانُ المُكَلَّفُ بِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ النَّحْلَ بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ خاطَبَ الإنْسانَ وقالَ: إنّا ألْهَمْنا هَذا النَّحْلَ لِهَذِهِ العَجائِبِ، لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ.